القرطبي

248

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

اختيار أبي عبيد ، أي لا يقبل منكم بدل ولا عوض ولا نفس أخرى . ( مأواكم النار ) أي مقامكم ومنزلكم ( هي مولا كم ) أي أولى بكم ، والمولى من يتولى مصالح الانسان ، ثم استعمل فيمن كان ملازما للشئ . وقيل : أي النار تملك أمرهم ، بمعنى أن الله تبارك وتعالى يركب فيها الحياة والعقل فهي تتميز غيظا على الكفار ، ولهذا خوطبت في قوله تعالى : ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ( 1 ) مزيد ) . ( وبئس المصير ) أي ساءت مرجعا ومصيرا . قوله تعالى : ألم يأن للذين ء امنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ( 16 ) اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ( 17 ) قوله تعالى : ( ألم يأن للذين آمنوا ) أي يقرب ويحين ، قال الشاعر : ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا * وأن يحدث الشيب المبين لنا عقلا وماضيه أنى بالقصر يأنى . ويقال : آن لك - بالمد - أن تفعل كذا يئين أينا أي حان ، مثل أنى لك وهو مقلوب منه . وأنشد ابن السكيت : ألما يئن لي أن تجلى عمايتي * وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا فجمع بين اللغتين . وقرأ الحسن ( ألما يأن ) وأصلها ( ألم ) زيدت ( ما ) فهي نفي لقول القائل : قد كان كذا ، و ( لم ) نفي لقوله : كان كذا . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) إلا أربع سنين . قال الخليل : العتاب مخاطبة الا دلال ومذاكرة الموجدة ، تقول عاتبته معاتبة ( أن تخشع ) أي تذل وتلين ( قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق )

--> ( 1 ) راجع ص 18 من هذا الجزء .